محمد بن يزيد المبرد
400
المقتضب
فكأنّ التقدير - واللّه أعلم : كيف نكلّم من هو في المهد صبيّا . ونصب « صبيّا » على الحال . ولولا ذلك لم يكن عيسى بائنا من الناس ، ولا دلّ الكلام على أنّه تكلّم في المهد ؛ لأنّك تقول للرجل : « كان فلان في المهد صبيّا » . فهذا ما لا ينفكّ منه أحد أنّه قد كان كذا ثمّ انتقل ، وإنّما المعنى : كيف نكلّمه وهو الساعة كذا . والوجه الآخر في جواز الرفع في قولك : « إنّ زيدا كان منطلق » على أن تضمر المفعول في « كان » ، وهو قبيح ، كأنّك قلت : « إنّ زيدا كأنه منطلق » . وقبحه من وجهين : أحدهما : حذف هذه « الهاء » كقولك : « إنّ زيدا ضرب عمرو » ، وليس هذا من مواضع حذفها ، وسنذكر ما حذفها فيه أحسن من إثباتها ، وما يجوز من الحذف وليس بالوجه ، في موضعه [ 1 ] إن شاء اللّه . وقبحها من الجهة الأخرى : أنّك تجعل « منطلقا » هو الاسم وهو نكرة ، وتجعل الخبر الضمير وهو معرفة ، فلو كان : « إنّ زيدا كان أخوك » كان أسهل ، وهو مع ذلك قبيح لحذف « الهاء » . * * * فأمّا قولهم : « كأنني أخوك » ، و « كنت زيدا » ، فمحال إن أردت به الانتقال ، وأنت تعني أخاه في النّسب . ولكن لو قلت : « كنت أخاك » ، أي : صديقك ، و « أنا اليوم عدوّك » ، و « كنت زيدا وأنا الساعة عمرو » ، أي : غيرت اسمي - كان جائزا . وجائز أن تقول : « كنت أخاك » وإن كان أخاه الساعة ، تريد أن تعلمه ما كان ، ولا تخبر عن وقته الذي هو فيه لعلم المخاطب ذاك ، ولأنّ للقائل - إذا كانت الأخبار حقّا - أن يخبر عنها بما أراد ، ويترك غيره . فمن ذلك قول اللّه وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * « 2 » ، وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً « 3 » . فقول النحويّين والمفسّرين في هذا واحد ، إنّ معناه - واللّه أعلم - : أنّه خبّرنا بمثل ما يعرف من فضله ، وطوله ، ورحمته ، وغفرانه ، وأنّه علّام الغيوب قبل أن نكون . فعلّمنا ذلك ، ودلّنا عليه بهذا وغيره . ومثل ذلك قوله : وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ « 4 » ونحن نعلم أنّ الأمر أبدا للّه . * * * وتقول : « كان القائم القاعد أبواه إليه منطلقة جاريته » .
--> [ 1 ] تقدّم الكلام عليه . ( 2 ) النساء : 96 ، 100 ، 152 ؛ والفرقان : 70 ؛ والأحزاب : 50 ، 59 ، 73 ؛ والفتح : 14 . ( 3 ) النساء : 148 . ( 4 ) الانفطار : 19 .